fbpx

في هذا البلد الآمن المطمئن


0

عزيزي القارئ ٬

في هذا البلد الآمن المطمئن، قرر الشباب الموت على متن قوارب الهجرة وسط البحر و تحت غطاء الليل ، فعلى ما يبدو٬ باءت كل محاولات الحياة على هذا الجانب من العالم بالفشل، قرروا إذن أن لا أمل يرجى و أن المغامرة من أجل نسبة نجاح ضئيلة خير من البقاء في ظل فشل محقق، تخيل أن الشهر الماضي أصيب الشباب بهستيريا الهجرة ٬ قوارب تأتي في وضح النهار وتغادر على مرأى من الجميع، أشخاص أتوا للاستمتاع بالشاطئ وافقوا أمام أول اقتراح من شخص مجهول أن يغادروا بلدهم، بدون أوراق هوية، بدون معرفة مسبقة بصاحب القارب ٬بل حتى  بدون ملابس…

تخيل الان أنه وليس كما ظننت، راكبي القوارب هؤلاء ليسو أشخاصا أميين، ليسو بلطجية وليسو شباباً تائهين، على عكس ذلك٬ أغلبهم طلبة جامعيون أثقل الفقر كاهلهم و أقفلت الحياة بابها في وجههم، كانوا بالأمس القريب متفائلين ببلد أفضل٬ بلد الفرص و تشجيع الكفاءات بلد لا ريع فيه و لا فوارق اجتماعية، لكنهم في مرحلة ما قرروا أن لا أمل يرجى، منهم من أدرك أن هذا البلد بعيد المنال ومنهم من فهم أنه موجود لكن ليس للجميع، والحق يقال أن لا أدري من منهم على حق، لكني أ دري ان الله وحده يعلم دوافعهم – التي لا أشك في قوتها – فأن تترك بلدك وتبحر مع مجهول نحو المجهول وأنت بملابس السباحة٬ هو شيء ليس من المفترض أن يحدث كل يوم.

في تعليقه على هذا الوضع قال أحد رواد الفايسبوك،  » الفرق بين مهاجر الأمس ومهاجر اليوم، أن الأول كان يغادر بلده اليوم ليعود إليه غدا بحقيبة مملوءة و قلب صادق ، أما الثاني فيهاجر لكي لا يعود أبداً.

في هذا البلد الآمن المطمئن، يفرح الناس إن تأخر القطار نصف ساعة فقط، و في الحالات النادرة التي يصل في الوقت يصاب الركاب بالذهول ويعتبرون ذلك حدثاً تاريخيا يستحق التدوين، لا داعي لأن أتعمق في تفاصيل الخدمة داخل القطار، يكفي أن أعلمك عزيزي أن مقاعد الدرجة الثانية لا تحمل أرقاما، مما يعني ركابا بأضعاف عدد المقاعد، أن تكييف القطار و بطريقة ما يكون دافئا في الصيف و بارداً في الشتاء، و أن المرافق الصحية لا تحترم أبسط أساسيات النظافة، وغيرها من الأمور العجيبة التي لا داعي لذكرها فقد أصبحت لديك فكرة واضحة عن هذا القطار. مهلا، لا أريد أن أخيب ظنك لكن الدرجة الأولى هي نفسها الدرجة الثانية لكن مع مقاعد بأرقام.

تخيل الان أن نفسه هذا القطار، انحرف عن سكته مخلفا سبع موتى و عشرات الجرحى و العديد من المعافين جسديا / المحبطين نفسيا، كان على متنه طلبة جامعييون بطموح وهمم عالية، كان على متنه موظفون و عاملون اختارو خدمة هذا الوطن، وكان أيضا أطفال وشيوخ في زيارات عائلية و مواعيد طبية.. شركة القطار طبعا تفاعلت مع الأمر، قدمت التعازي وتمنت الشفاء للمصابين كما أكدت عدم وجود عطب تقني على مستوى السكة فهي حريصة كل الحرص على سلامة ركابها و طبعاً هذا ليس كل شيء  الخطوة الأهم أنها غيرت صورة البروفايل على الفايسبوك.

في تعليقه على الأحداث قال شخص ما أن القطار في بلادنا يعتبر أكثر وسائل النقل ثباتا وأمانا، ومع سقوطه اليوم  سقطت آخر ثوابت هذا البلد.

في هذا البلد الآمن المطمئن، لا نكل ولا نمل من ترشيح وطننا لاحتضان تظاهرات ضخمة لا تجرأ دول كبرى على التفكير فيها، نفتخر ببنيتنا التحتية – والتي يعود أغلبها لفترة الاستعمار – و ندعم ملفنا بتعدد الثقافات على أرضنا، بطيبة شعبنا و قدرتنا على حفظ الأمن والسلامة للمواطن، و على ذكر البنية التحتية تخيل عزيزي أنه و مباشرة بعد حادث القطار، وقعت دعامات قنطرة على سيارة فقتلت سيدة و أصيبت ابنتها وتعرقل السير في جزء كبير من المدينة ، حدث هذا  في  أكبر مدن البلد  وأكثرها تقدما ورواجا وكثافة سكانية -لا أذكر من قال أن هذا البلد بدأ « يتفتت » لكني أوافقه الرأي-، وعلى ذكر الطيبة ولحفظ المصداقية لا يفوتني أن أفتخر بشبابنا اللذين سارعوا للتبرع بالدم و نقل المسافرين و استقبال العالقين بعد حادث القطار المشؤوم ، هذا الحادث  وبالرغم من مأساويته برهن بشكل واضح أن مستقبل هذا البلد في يد شبابه، أن التعبير عن سخطنا و لوم المسؤولين ليس هو الحل،و أن رثاءنا الضحايا وتبادلنا التهم مع الاخرين لن ينقذ لا فرداً ولا جماعة.. إن الحل واضح اليوم، أن نساعد بعضنا البعض، أن نتاقسم حلو التجارب ومرها و أن ننشر الوعي كل من مكانه و بطريقته الخاصة، فمن يحب العلوم يبسطها للاخرين، ومن يحب اللغات أو الموسيقى أو غيرها يتقاسم شغفه و مصادر تعلمه مع الراغبين في التعلم، ومن يتمتع بصحة جيدة يتبرع بدمه بين حين وحين، ومن تساعده ظروفه يكفل يتيم، ونحن بدورنا جعلنا من نشر الوعي والتغيير هدفا لمجلتنا منذ بدايتها، طموحنا أن نكون منبراً للشباب يتقاسمون من خلاله تجاربهم ويسخرون أقلامهم للنهوض بهذا الوطن.

عزيزي القارئ، لا يفوتني أن أخبرك أن ما ذكرته أعلاه  هو بالكامل من وحي الخيال، وأن أي تشابه مع الواقع هو مقصود وليس بمحض الصدفة.

Photo copyright :  Salah Hari


Like it? Share with your friends!

0

What's Your Reaction?

cute cute
0
cute
damn damn
0
damn
Angry Angry
0
Angry
love love
0
love
dislike dislike
0
dislike
wtf wtf
0
wtf
confused confused
0
confused
lol lol
0
lol
Naziha Meskine
طالبة بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، 21 سنة، شغوفة بالأدب، محبة للعلوم، و متابعة للسياسة

0 Comments

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

Choose A Format
Personality quiz
Series of questions that intends to reveal something about the personality
Trivia quiz
Series of questions with right and wrong answers that intends to check knowledge
Poll
Voting to make decisions or determine opinions
Story
Formatted Text with Embeds and Visuals
List
The Classic Internet Listicles
Countdown
The Classic Internet Countdowns
Open List
Submit your own item and vote up for the best submission
Ranked List
Upvote or downvote to decide the best list item
Meme
Upload your own images to make custom memes
Video
Youtube, Vimeo or Vine Embeds
Audio
Soundcloud or Mixcloud Embeds
Image
Photo or GIF
Gif
GIF format